رغم أنه يخشى الموت دائماً وضحك على "جارته العقرب" في الجحر بحثاً عن السلامة
نفوق جماعي للضبان في الحدود الشمالية يثير قلق المواطنين ومحبي الصيد ومن يفضلونه على مائدة الطعام..
عرعر - تقرير، صغير العنزي
تحدث مؤرخو الأدب في كتب الحيوان عن سن الضب الذي رأوه من أطول الحيوانات عمرا إذا لم يعرض له عارض، كما تحدثوا عن كونه يحفر جحره في كدية
وهي الموضع الصلب، أو يسكن في ارتفاع عن مجاري السيل طمعا في طول السلامة، وتأخذ به الحيطة الدرجة التي يضحي معها بجزء من قوة براثنه فتكون ناقصة كليلة ؛ لأنه يحفر في الصلابة ويعمق الحفر حرصا منه على أن يبعد عن مواطن الخطر، ولذلك عدو هذه الحيطة كيسا وزيادة في العقل، ومن هنا قالوا: أخدع من ضب، وخب ضب، وزيادة في الحرص وحب الحياة يقال: إنه استعان بالعقرب واحتال بها لتترصد حراشه فتكون بالمرصاد لمن حفر جحره، ولكن كل ذلك لم ينجه من عشاق لحمه من العرب القدماء الذين يرون فيه وجبة شهية حتى عيرهم أبناء الأجناس الأخرى الذين أسلموا وتعربوا، يقول أبو نواس:
إذا ماعروبي أتاك مفاخرا
فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب؟!!
ولم يصمت العرب بل احتجوا على من عيرهم بأكله؛ فقالوا : هو خير من كثير مما يأكلون من الطيور الداجنة التي تتخطف ما وجدته على الأرض مما قد لا تقبله النفس، بينما هذه الضبان لا تأكل إلا من جيد ما تنبت الأرض.. ولكن كل هذه الإيجابيات التي برر بها عشاق الضب موقفهم غابت في جزء من منطقة الحدود الشمالية فلم ينفع الضب حذره من الموت، ولم يعد أكله طيبا بل أصبح مريبا مقززا- وإن كان هناك من يرى منذ القدم أن الضب ربما أكل أبناءه وهم صغار وربما أكل بقايا فضلاته، ولأمر ما عموا العرب هذه القضية - ولعل ما تشهده بعض أجزاء المنطقة الشمالية هذه الأيام، من تغيرات مثيرة في عالم هذه الزواحف الصحراوية يجعل كل من أولعوا بلحم الضب يفكرون ألف مرة قبل أن يتهافتوا إلى هذه الوجبة التي رأوا فيها غير لذة الطعم عقارا رخيص الثمن طويل المفعول!!
في منطقة الحدود الشمالية وعلى مسرح الجزء الممتد من شرق شمال هجرة البرازي وحتى الوشح شرق جنوب مركز سماح الحدودي، إلى الجزء الذي يقع غرب شمال هجرة البرازي وحتى شعيب البولي جنوب مركز أم الحيران - شاهد زوار تلك المنطقة والمارون بها مسرحية نفوق عدد كبير من الضبان بشكل جماعي، وهذه الظاهرة يبدو أنها منذ فترة ليست قصيرة إذ إن بعض هذه الضبان لم يبق إلا هياكلها العظمية وأشلاؤها التي أصبحت منظرا مألوفا يستوقف كل من مر بهذا المكان؛ فهذه الصورة الجنائزية لم تشاهد في غير هذا الجزء، يضاف لذلك أن نفوق هذه الضبان لا يزال مستمرا حتى هذه اللحظة فأجساد بعضها لم يتغير مما يدل على أنه حديث النفوق، بل إن عددا من الذين مروا بهذه المنطقة ذكروا ل" الرياض" أنهم وقفوا -خلال هذه الفترة- على حوادث النفوق بأنفسهم ورأوا بأعينهم مشاهد غريبة؛ فبعض الضبان تفترس بعضها وتلتهم أجزاءها، وبعضها يخرج من جحره ثم يستلقي على الأرض ويموت لساعته بجانب جحره!!
الجدير بالذكر أن الأرض التي تشهد هذه الحوادث جرداء خالية من الشجيرات كما ذكر زوارها، وكذلك فسبب هذا النفوق الذي زرع الخوف في من شهدوا حوادث هذا الموت الجماعي بقي مجهولا، مع أنه لا يزال يفتك بهذه الزواحف، وأخطر من ذلك مصير الناس الذين يصيدون بعض هذه الضبان ويلتهمون لحومها دون أن يدروا ما يجري حولهم، وما قد تؤول إليه عاقبة هذه الولائم التي قد تكلفهم ثمنا باهظا!!
المشاهدات الميدانية في هذا المكان تقول: إن هناك مرضا غامضا لا تقف جوائحه على هذه الزواحف فحسب، بل تتعداه إلى حيوانات أخرى تتغير سلوكياتها وصحتها بمجرد أن تستوطن ذلك الجزء.
"الرياض" التقت بأحد مربي الأغنام الذين رعت أغنامهم قبل سنوات في تلك المنطقة ولحق بماشيتهم ضرر كبير يقول أبو محمد: قبل عدة سنوات كانت أغنامي ترعى في ذلك المكان ولكنني فوجئت بمرض غريب أصاب هذه الأغنام في أجسادها وفي سلوكها إذ نفق عدد كبير منها بعد أن بدأت تأكل جيف الأغنام الميتة وتلتهم جثث الضبان!!
هذا النفوق الذي أوجس الناس منه خيفة والذي لا تزال أسبابه مجهولة بدأ يزرع علامات الاستفهام وراء هذا الخطر الغامض الذي يحتاج إلى كشف عاجل؛ فربما كان خلفه وباء ينشر فيروساته هنا هناك دون أن ينتبه إليه أحد، خاصة وأن المنطقة بطبيعتها تترقب ظهور كل حالة مرضية بشكل مرضي -أيضا- بحكم كونها منطقة محادة للعراق الذي شهد خلال الفترة الماضية حروبا طويلة استخدمت فيها أنواع من الأسلحة البيولوجية الخطرة التي لحقت أضرارها الناس والبيئة، ولهذا فلا تفتأ الأسئلة تطرح والاستفهامات تتوالى كلما سمع الناس عن سرطان دم أصاب أطفالهم أو علموا بحالة جديدة من السرطانات الأخرى التي بدأت تظهر بشكل ملحوظ سواء في منطقة الحدود الشمالية أو في حفر الباطن !! قد يكون هذا القلق وساوس مرضية ناتجة عن خوف الناس مما يسمعونه من آثار الحروب على البشر، ولكن من واجب الجهات المعنية أن تأخذ الحيطة وتفك رموز الغوامض عن طريق المختبرات المتخصصة وأن تعطي هذه المنطقة رعاية طبية خاصة وعناية نفسية تزيح عن كواهل أهلها ثقل الظنون وتذيب رواسب القلق الذي يسكن بعض النفوس، وفي كل الأحوال فضباب ما حول أم الحيران لم تمت بسبب فزعها النفسي أو هواجسها من قلق آثار الحروب بل ماتت بسبب عضوي من صميم واجب الجهات المعنية أن توليه عنايتها لأن ضرره قد يتجاوز الضبان إلى آكليها!!